عبد الرزاق اللاهيجي
248
شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام
الكل اجرام صغار لا تتجزّى لصغرها وصلابتها وانها غير متناهية بالعدد ومبثوثة في خلاء غير متناه وان جوهرها في طباعها جوهر متشاكل وباشكالها يختلف وانها دائمة الحركة في الخلاء فيتفق ان يتصادم منها جملة فيجتمع على هيئة فيكوّن منها عالم وان في الوجود عوالم مثل هذا العالم غير متناهية بالعدد مترتبة في خلاء غير متناه لكن مع ذلك يرون ان الأمور الجزئية مثل الحيوانات والنباتات كائنة لا بحسب الاتفاق وفرقة أخرى كانباذقلس ومن جرى مجراه لم يقدموا على أن يجعلوا العالم بكليته كائنا بالاتّفاق ولكنهم جعلوا الكائنات متكوّنة عن المبادى الاسطقسية بالاتفاق فما اتفق ان كانت هيئة اجتماعية على نمط يصلح للبقاء والنسل بقي ونسل وما اتفق ان لم يكن كذلك لم ينسل وفرقة أخرى لم يجعلوا الأمور الاتفاقية واقعة بلا سبب ولم يجوّزوا الكون بلا علة لكنهم جعلوا نفس البخت والاتفاق من الأسباب التي توجد بها الأشياء وقالوا إن البخت والاتفاق سبب إلهيّ مستور يرتفع عن أن يدركه العقول حتى أن بعض من يرى هذا الرأي احلّ البخت محل الشيء الّذي يتقرّب إليه وإلى اللّه بعبادته وامر فبنى له هيكل واتّخذ باسمه صنم يعبد على نحو ما يعبد الأصنام عليه وبإزائهم طائفة أنكرت ان يكون للبخت والاتفاق مدخل في العلل بل أنكرت ان يكون لهما معنى في الوجود وقالت إنه من المح ان نجد للأشياء أسبابا موجبة ونشاهدها فنعدل عنها ونعزلها عن أن تكون عللا مجهولة من البخت والاتفاق فان الحافر بئرا إذا عثر على كنز جزم أهل الغباوة القول بان البخت السعيد قد لحقه وان زلق فيها فانكسر رجله جزموا القول بان البخت الشقي قد لحقه ولم يلحقه هناك بخت البتة بل كل من يحفر بئرا إلى الدفين يناله ومن يميل إلى زلق في شفير يزلق عنه ويقولون انّ فلانا لما خرج إلى السوق ليقعد في دكّانه لمح غريما له فظفر بحقّه فذلك من فعل البخت وليس كذلك بل ذلك لأنه قد توجّه إلى مكان به غريمه وله حسّ بصر فرآه قالوا وليس ان كان غايته في خروجه غير هذه الغاية يجب ان لا يكون الخروج إلى السوق سببا حقيقيا للظفر بالغريم فإنه يجوز ان يكون لفعل واحد غايات شتى بل أكثر الافعال كذلك لكنه يعرض ان يجعل المستعمل لذلك الفعل احدى تلك الغايات غاية فتعطل الأخرى بوضعه لا في نفس الامر وهو في نفس الامر غاية يصلح ان ينصبها غاية ويرفض ما سواها ا ليس لو كان هذا الانسان شاعرا بمكان الغريم هناك فخرج يرومه فظفر به لم يقل ان ذلك واقع منه بالبخت بل قيل لما عداه انه بالبخت والاتفاق فيرى ان جعله أحد الأمور التي يؤدى إليها خروجه غاية يصرف الخروج عن أن يكون في نفسه سببا لما هو سببه وكيف يظن أن ذلك يتغير بجعل جاعل وهذا المذهب في ابطال الاتفاق أصلا ليس بشيء لأنه ليس إذا وجد لكل شيء سبب لم يكن للاتفاق وجود بل السبب الموجود للشيء الّذي لا يوجبه على الدوام أو الأكثر هو السبب الاتفاقي في نفسه من حيث هو كذلك وقوله قد يكون لشيء واحد غايات كثيرة مغالطة باشتراك اسم الغاية فان الغاية يقال لما ينتهى إليه الشيء كيف كان ويقال لما بقصد بالفعل والمراد بالغاية هو هذا وقوله ان الجعل لا يغير الحال في هذا الباب غير مسلّم